محمد بن جرير الطبري
185
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
صلى الله عليه وسلم ، ولكنا تركنا القول في ذلك للخبر الذي روي فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن كان صلى الله عليه وسلم معدن البيان عن تأويل ما أنزل الله من وحيه وآي كتابه . فإن قال لنا قائل : فإن كان القوم الذين ذكر الله أنه سيأتي بهم عند ارتداد من ارتد عن دينه ممن كان قد أسلم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هم أهل اليمن ، فهل كان أهل اليمن أيام قتال أبي بكر أهل الردة أعوان أبي بكر على قتالهم ، حتى تستجيز أن توجه تأويل الآية إلى ما وجهت إليه ؟ أم لم يكونوا أعوانا له عليهم ، فكيف استجزت أن توجه تأويل الآية إلى ذلك ، وقد علمت أنه لا خلف لوعد الله ؟ قيل له : إن الله تعالى ذكره لم يعد المؤمنين أن يبدلهم بالمرتدين منهم يومئذ خيرا من المرتدين لقتال المرتدين ، وإنما أخبر أنه سيأتيهم بخير منهم بدلا منهم ، يعد فعل ذلك بهم قريبا غير بعيد ، فجاء بهم على عهد عمر ، فكان موقعهم من الإسلام وأهله أحسن موقع ، وكانوا أعوان أهل الإسلام وأنفع لهم ممن كان ارتد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من طغام الأعراب وجفاة أهل البوادي الذين كانوا على أهل الإسلام كلالا نفعا . واختلف القراء في قراءة قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فقرأته قراء أهل المدينة : " يا أيها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه " بإظهار التضعيف بدالين مجزومة الدال الآخرة ، وكذلك ذلك في مصاحفهم . وأما قراء أهل العراق فإنهم قرءوا ذلك : مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ بالإدغام بدال واحدة وتحريكها إلى الفتح بناء على التثنية ، لأن المجزوم الذي يظهر تضعيفه في الواحد إذا ثني أدغم ، ويقال للواحد : أردد يا فلان إلى فلان حقه ، فإذا ثني قيل : رد إليه حقه ، ولا يقال : ارددا . وكذلك في الجمع ردوا ، ولا يقال : ارددوا . فتبني العرب أحيانا الواحد على الاثنين ، وتظهر أحيانا في الواحد التضعيف لسكون لام الفعل ، وكلتا اللغتين فصيحة مشهورة في العرف . والقراءة في ذلك عندنا على ما هو به في مصاحفنا ومصاحف أهل المشرق بدال واحدة مشددة بترك إظهار التضعيف وبفتح الدال للعلة التي وصفت . القول في تأويل قوله تعالى : أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يعني تعالى ذكره بقوله : أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أرقاء عليهم رحماء بهم ، من قول القائل : ذل فلان لفلان : إذا خضع له واستكان . ويعني بقوله : أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ أشداء عليهم غلظاء بهم ، من قول القائل : قد عزني فلان : إذا أظهر العزة من نفسه له ، وأبدى له الجفوة والغلظة . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثني ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن هاشم ، قال : أخبرنا سيف بن عمر ، عن أبي روق ، عن أبي أيوب ، عن علي في قوله : أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أهل رقة على أهل دينهم ، أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ أهل غلظة على من خالفهم في دينهم حدثنا المثني ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يعني بالذلة : الرحمة حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، قال : قال ابن جريج ، في قوله : أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ قال : رحماء بينهم ، أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ قال : أشداء عليهم حدثنا الحرث بن محمد ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : قال سفيان : سمعت الأعمش يقول في قوله : أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ ضعفاء على المؤمنين القول في تأويل قوله تعالى : يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . . . وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ يعني تعالى ذكره بقوله : يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ هؤلاء المؤمنين الذين وعد الله المؤمنين أن يأتيهم بهم إن ارتد منهم مرتد بدلا منهم ، يجاهدون في قتال أعداء الله ، على النحو الذي أمر الله بقتالهم والوجه الذي أذن لهم به ، ويجاهدون عدوهم ، فذلك مجاهدتهم في سبيل الله . وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ يقول : ولا يخافون في ذات الله أحدا ، ولا يصدهم عن العمل بما أمرهم الله بن من قتال عدوهم لومة